محمد هادي معرفة
143
التمهيد في علوم القرآن
ومن أمثلة سجع الكهّان ما يروونه عن « طريفة » كاهنة اليمن ، حين خاف أهل مأرب سيل العرم . . . أنها قالت لهم : لا تؤمّوا مكّة حتى أقول ، وما علّمني ما أقول إلّا الحكم المحكم ربّ جميع الأمم من عرب وعجم . قالوا لها : ما شأنك يا طريفة ؟ قالت : خذوا البعير الشدقم فخضّبوه بالدم ، تكن لكم أرض جرهم ، جيران بيته المحرم « 1 » هذا ، ولم يكن السجع في الجاهلية خاصّا بالكهّان في نبوءاتهم ، بل كان شائعا - كما ذكرنا - بين البلغاء والخطباء عندما يخطبون أو يعظون ، يجعلون حكمهم في جمل قصار ذات تسجيع وترصيع ، لتكون أوقع في النفوس وأحفظ وأبقى . كما لم يغفل القضاة منهم أن يصدروا أحكامهم في الحقوق والجزاء في عبارات مسجوعة شبه مصراع أو مصراعين ، ولعلّه أثبت وأضبط للحفظ . وقد قيل : إنّ ضمر بن ضمرة والأقرع بن حابس وغيرهما درجوا على أن يصدروا أحكامهم في عبارات وجمل مسجّعة عندما كانوا يجلسون مجلس القضاء « 2 » . وقد شاع السجع بين الكتّاب والخطباء الإسلاميين شيوعا بالغا ، بحيث لا تجد خطيبا ولا كاتبا إسلاميا حاد عن طريقة السجع في الكلام . وهذه خطب ورسائل وكلمات الامام أمير المؤمنين عليه السّلام مزدانة بالسجع الرصين ، خال عن التكلّف البادي على أسجاع العرب التي كانت
--> ( 1 ) تاريخ الآداب لجرجي زيدان : ص 212 . ( 2 ) دائرة المعارف الاسلامية : ج 11 ص 296 . وراجع البيان والتبيين للجاحظ : ج 1 ص 112 س 20 .